أبي حيان الأندلسي
14
تفسير النهر الماد من البحر المحيط
وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ الآية ، سبب نزولها أنه لما دعا على أهل مكة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالجدب قحطوا سبع سنين فأتاه أبو سفيان فقال : ادع لنا بالخصب فإن أخصبنا صدقناك فسأل اللّه تعالى لهم فسقوا ولم يؤمنوا . والرحمة هنا الغيث بعد القحط والأمن بعد الخوف ، والصحة بعد المرض ، والغنى بعد الفقر ، وما أشبه ذلك . ومعنى مستهم خالطتهم وفي هذه الجملة دليل على سرعة تقلب آدم من حالة الخير إلى حالة الشر ، وذلك بلفظ أذقنا ، كأنه قيل : أول ذوقه الرحمة قبل أن يداوم استعظامها مكر ، وبلفظ من المشعرة بابتداء الغاية أي ينسى المكر أثر كشف الضر لا يمهل ذلك وبلفظ إذا الفجائية الواقعة جوابا لإذا الشرطية أي في وقت إذاقة الرحمة فاجأوا بالمكر ولما كانت هذه الجملة كما قلنا تتضمن سرعة المكر منهم قيل : قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً فجاءت أفعل التفضيل . ومعنى وصف المكر بالاسراعية أنه تعالى قبل أن تدبروا مكائدكم قضى بعقابكم وهو موقعه بكم واستدرجكم بإمهاله . هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ مناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما ذكر أن الناس إذا أصابهم الضر لجأوا إلى اللّه تعالى وإذا أذاقهم الرحمة عادوا إلى عادتهم من إهمال جانب اللّه تعالى والمكر في آياته ، وكان المذكور في الآيتين أمرا كليا أوضح ذلك الأمر الكلي بمثال جليّ كاشف عن حقيقة ذلك المعنى الكلي ، ينقطع فيه رجاء الإنسان عن كل متعلق به إلا اللّه تعالى فيخلص له الدعاء وحده في كشف هذه النازلة التي لا يكشفها إلا هو تعالى . وقرئ : ينشركم من النشر والبث ويسيركم من التسيير .